هل أصبحت موريتانيا وكرا للرشوة والفساد؟! بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن المدير الناشر ورئيس تحرير صحيفة "الأقصى"

أربعاء, 2014/10/08 - 18:17

لقد كانت الإدارة في أول عهدها تخدم المواطن -خصوصا في مرحلة النشأة في الستينات- رغم نقص هذه الخدمات، بأسلوب لا يخلو من التجرد والاستعداد لأداء الواجب، وإن كانت الرشوة والفساد، وقتها، موجودين، إلا أن الأمر كان نسبيا، حسب شهادة المعاصرين.

أما في العهود الأخيرة، خصوصا فترة معاوية وما بعده إلى اليوم، فقد وصل المستوى حدا قياسيا مثيرا.

أيام العيد فتح لي المجال للقاء شخص مطلع، له صلة مباشرة بشخصية كبيرة في الخارج، لها صلة وثيقة بكينروس أو ما نسميه اصطلاحا محليا "تازيازت".

قال محدثي، "لقد أخبرني صاحبهم أنهم باشروا مستوى من الفساد والرشوة في إدارتنا، لا يمكن معه متابعة سياق الاستثمار الحالي نهائيا، وان "تازيازت" غير متحمسة للمزيد من الاستثمار في القطاع المعدني بموريتانيا.

وعلى الصعيد المحلي لدي معلومات عن وزارة المعادن، تؤكد شيوع الرشوة في جل مكاتبها، فلا خدمة مستحقة للمستثمر بلا "بخشيش"، وطبعا "البخشيش" حين يتعلق بقطاع المعادن، فلن يكون البتة بسيطا!!!.

إن وزارة المعادن هذه والمؤسسات التابعة لها، من حيث المجال الاستثماري أو التبعية الإدارية المباشرة في قمة معايشة الرشوة الصريحة.

وكل رئيس قسم أو مصلحة، فما فوق، له فرصته ليفعل ما يشاء، لأنه ميسور بحكم الموقع.

فلا هو مستعد لخدمة المعنيين بصورة إدارية قانونية شفافة، وإنما يفتعل العراقيل ومختلف الأعذار، للحصول على نصيبه غير المشروع، من الرشوة، ليجني أموالا طائلة، تدريجيا.

ومهما قيل عن "سنيم" من الاستغلال، من قبل إدارتها الحالية أو النظام السياسي القائم، أو قيل عن "صوملك" الغارقة في شراء المعدات من السوق الأسيوي، بثمن بخس، مع نوعيات رديئة وفوترة خيالية عالية، على حساب مصلحة المواطن، مصلحته الحساس في التغذية بالضوء وخدمات الكهرباء المتعددة، عسى أن تستفيد مافيا عزيز الانتهازية الشرهة، من أمثال النائب المفبرك سيدي محمد ولد ابوه،  الذي يستورد بعض المولدات الكهربائية الرديئة، وتشترى منه بثمن خيالي مؤكد التسديد، لأنه أحد أقارب عزيز المزور، وقد أصبح من المزودين الرئيسيين لصالح "صوملك"، بأساليب غاية في التلاعب، وربما تكون تصرفاته السيئة في هذا الصدد، من أهم أسباب الأزمة الأخيرة في العاصمة، بالنسبة لانقطاع الكهرباء طيلة يومين متتالين أو أكثر!!!.

أقول مهما قبل عن "صوملك" ومعاناتها، جراء شراء تحت الضغط لماكينات رديئة، بأسعار جيدة الجودة، فإن هذا كله لا يمكن أن يقارب –ربما- ما يقع في قطاع المعادن، الذي أثرى منه النظام وزبانيته وحتى بعض بسطاء القطاع، على حساب المصداقية والمردودية.

فـ"بومي" طردت لأسباب سياسية، وكينروس-تازيازت بدأت تتحدث بأسلوب شبه علني عن فساد الموريتانيين عموما، وخصوصا حكومتهم ووزارتهم المعنية بالاستثمار المعدني المتدني الفائدة، بالمقارنة مع ما يمكن أن يجنيه على نطاق عمودي و أفقي، لصالح الدولة والمجتمع، وحتى لصالح الطرف الأجنبي المستثمر.

إن الأمر يفرض التفكير بجدية في ضرورة إسقاط النظام الاستبدادي، وإحالة لصوص الإدارة للسجن والتحقيق، وإيقاف مهزلة انتهازية المستثمر الخارجي، الذي لا يذكر الفساد بصورة علنية، ضمن أنشطة إعلامية مباشرة، تكريسا للشفافية وطلبا لعلاقة شبه ودية مع الرأي العام والشعب الموريتاني أولا، وإنما يستثمرون في الرشوة، وعندما تخرج الأمور عن إطار سيطرتهم يشكون شكوى لا صدى لها ولا وقعا كبيرا على أرض الواقع.

فلربما لا يخدمهم تطبيق القانون، ويحرصون على تعميق وترسيخ وتعميم حالة الرشوة والفساد هذه، حتى لا تنكشف حقيقة ما يجنون من أرباح خيالية، وحقيقة ما يصدرون من نحاس وذهب وغيره!!!.

فتطبيق القانون لا يبحثون عنه، ولا يخدمهم لأنه قد يمنع الفوضى الحالية، التي إن تضرروا منها قليلا فإنها تخدمهم كثيرا.

معشر الموريتانيين إن ما تزخر به بلادكم من خيرات، كفيل بإنهاء معاناتكم، لو  تعلمتم وباشرتم التسيير بأسلوب صادق بعيد عن الأنانية.

فمتى نصل إلى هذا اليوم السعيد المفقود المنشود؟!

إن اليوم الحالي، يوم الغبن فحسب، فالأقلية من الأطر والعمال والتجار والإداريين، هي التي تتذوق طعم الثروة المسروقة المنهوبة، الميسر للبعض رشوتها وبعض منافعها، ليتغاضى عن مأساة الأغلبية.

فالثروة الباطنية الواسعة، ليست ملكا لولد التومي وحده، وبعض أقاربه وبعض من يقربهم عزيز، لخلفية سياسية ضيقة، وليس خلفية كفاءة أو استحقاق بريئ موضوعي، وإنما الغالب الغين، على أساس موافقة الإدارة الحاكمة ورغبتها في النفع الخاص والتمييز والمحسوبية.

ينبغي أن تفكر الجهات المعنية في توسيع دائرة النفع، مصداقا لقوله تعالى: "كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم"، وإلا فإن طوفان "نسونامي"، الناجم عن الشعور بالغبن، قادم لا محالة.لأن الظلم والتمييز عاقبتهما وخيمة وحتمية، قال الله تعالى: و"َسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ  "صدق الله العظيم.فعلا عاقبة الظلم وخيمة وخيمة، جدا جدا، في الدنيا والآخرة على السواء، فلن يأكل المرتشون الحق العام دون أمراض وهموم وأزمات حقيقية في الدنيا، وعندما يحين الحساب، لات حين مناص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظلم ظلمات يوم القيامة".

رشوة وسوء تسيير هو الفساد بعينه، وأشد جوره وظلمه، قد عمت به البلوى، خاصة حين توزع القطع الأرضية، وحين تمنح المنح الدراسية، حتى قيل يوما إنها وزارة آل فلان، أيام حسني ولد ديدي، أجور وزير تعليم، عرفته البلاد، في باب التمييز المتعمد العلني المكشوف الفاضح، وكان سائق التاكسي وقتها ذكيا، فعندما سأله زبونه عن دار لأهل فلان أوصله إلى وزارة التهذيب حينها.

قصة ربما متخيلة منسوجة، من وحي الإبداع السياسي الشعبي، أو النخبوي، حتى يدونوا اعتراضهم على ما يجري، من ظلم وخصوصية في قطاع التعليم، في عهد ذلك الوزير الفاسد القبلي، مضرب المثل.

ورغم ما قام به عينينه ولد اييه العقيد الحرسي المتقاعد من اكتتاب نسبي لصالح بعض أقاربه، سنوات إدارته لصونلك، وما فعل كذلك المفوض المتقاعد عبدات ولد أحمد الطلبه عن طريق امتحانات رمزية لصالح عدد محدود من أقاربه في قطاع الشرطة،، إلا أن كل هذا لم يصل إلى ما فعل حسني ولد ديدي من تمييز بشع في منح وزارة التعليم ومنافعها وامتيازاتها لصالح بعض أفراد قبيلته، فترة إدارته لوزارة التهذيب زمن الراحل المخلوع المخطار ولد داداه رحمه الله.

لقد طبق الموريتانيون جميعا، دون استثناء تقريبا، والنادر لا حكم له، المثل الحساني "إل اتول ش ذاكو".

سبحان الله، ما أفسد هذا المنهج، وأبعده من روح الدولة وتسيير الشأن الجماعي، بصورة سليمة صحيحة، أو مقبولة على الأقل.

أما سمعتم عن سبخة ولد أحمد دي!!!، من المستفيد لأول منها، طبعا أهله وشيعته، ممن والاه ونافق له وتقرب، بغير وجه حق.

فلماذا ننافق من أجل الحصول على حقنا، أو نزر قليل منه، ملوث بالمن والأذى وطويل الإنتظار المذل القاسي المحبط؟؟؟!!!.

لقد أثرى كثيرون على حسابنا معشر الفقراء والمغبونين، فهل ترانا، نغفر ذلك بصدق وسهولة.

أحسب ذلك صعبا حسب تصوري الشخصي على الأقل، كما أن هذه الرشاوى والعطايا الموزعة، يمينا ويسارا بلا وجه حق، مع إغماض حق الأغلبية الساحقة المتألمة باستمرار وعمق، أقول هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، ولا يجوز له أن يستمر  على هذا المنحى:

 

إذا الـشعبُ يـوماً أرادَ الحياةَ             فـلا بدَّ أن يستجيبَ القدرْ

 

ولابــدَّ لـلّيلِ أن يـنجلي ولا بـدَّ لـلقيدِ أن يـنكسرْ

 

أبيات للشاعر اليساري التونسي أبو القاسم الشابي، مع تحفظي الصريح على قوله بحتمية استجابة القدر، فلله الأمر من قبل ومن بعد.

إن الواقع الراهن، خصوصا أيام عزيز هذه، وفي كثير من المؤسسات  مكرس للرشوة والفساد والمحسوبية والتمييز بوجه خاص.

مثلا في قطاع الأعمال تمنح وتتغاضي عنك الضرائب ولو جزئيا، على وجه التبسيط، إذا كنت من أقارب عزيز وشيعته وذويه وجماعته، أما إذا كنت معارضا سابقا أو حاليا، فستطيق عليك أقسى العقوبات وتصدر في حقك أرفع الغرامات والضرائب، ولا يمكنك أن تطمع أبدا في حمل مواد مفوضية الأمن الغذائي، المدر للربح حملها فحسب، فهي مخصصة غالبا لولد قدة ولعمر ولد ودادي، وقد ساحوا في النفوذ والهيمنة، حتى كادوا أن يستحوذوا، كلا أو بعضا على ما جد من الإعلام السمعي والبصري.

إنه الضياع... وعندما تجد بعض الأطر المرتشين، إن صارحوك، يقولون لك بنبرة المستسلم الماكر المكره الانتهازي المتلون، نحن لا نجد إلا "فظلتهم"، أي بقية قليلة مما يتجاوزون عنه، يعنون طبعا، بعض أقارب عزيز من التجار خاصة، ومافياه من النواب والعمد والشيوخ، مثل محسن على سبيل المثال، لا الحصر، هو وبعض إخوته، ومن يرضى عنهم من مقربيه!!!.

تحولت موريتانيا إلى إمارة آل السباع، فمتى يحولون الاسم القديم المنتهي الصلاحية موريتانيا هذه، إلى " موري اسباع"، وهو الاسم الحقيقي المتناسب مع الواقع الحالي من النفوذ والخصوصية والمحسوبية الفائقة، مع علم جديد طبعا.

سيارة قديمة متهالكة، تتوسطها ورقة نقدية من فئة خمسة آلاف أوقية، التي أنشئت حديثا، فهي الأكثر انتشارا وتداولا في عهدهم، نتيجة للتضخم والإفلاس الاقتصادي والاجتماعي، وسط تكاثر الأوساخ وارتفاع أسعار الوقود واللحوم وغيرها، ووصول الأضاحي إلى ثمانين ألف أوقية في العيد المنصرم، في بلد منتج  مصدر للماشية بمختلف أنواعها تقريبا.

سبحان الله.

ما أضعفكم معشر الموريتانيين يسلب منكم وطنكم من قبل جزء قليل من مواطنيكم، وبعضهم لم تطأ قدمه أرضنا إلا في مطلع القرن العشرين، فمقابرهم قليلة وآثارهم الاجتماعية والاستثمارية محدودة في هذا الوطن، بالمقارنة مع كثيرين، وأنتم تعرفون أن جد الرئيس الحالي، وصل في عهد قريب من "شيشاوه"  بضواحي مراكش بالمغرب، ودار أهله في مدينة "دار مستي" بولاية اللوكه السينغالية، وقد ولد وترعرع هناك، وزوجته السمسدية الأصل مغربية المولد والنشأة!!!.

فنحن محكومون حقيقة من قبل الأجانب المتجنسين، ما بين مواليد السنغال والمغرب.

إن هؤلاء مواطنين، وإن كانوا وصلوا متأخرين فتجنسوا لاحقا، ولا جدل في مواطنتهم عند البعض، لكن الأخطر أن تسير الأقلية الوافدة، قبل وقت قريب شأن الأغلبية الأصيلة القديمة!!!.

هذا نرفضه ولا نرضاه لأنفسنا ولا لغيرنا، ولا لوطننا من باب أولى.

إن ما يجري تجاوز الحق إلى الاستيطان والتوسع على حساب السكان الأصليين، مع سكوت ونفاق الأغلبية، خوفا وطمعا!!!.

ولا يستغرب عندما تندلع الفوضي والفساد اللامحدود، مثل ما يقع الآن، أن يرجع زيد أو عمرو إلى "شيشاوه" أو "دار مستي"،  ويتركنا معشر المواطنين الأصلاء نواجه المجهول والخطر وحدنا لا قدر الله.

لأننا فعلا أصحاب الوطن، في السراء والضراء على السواء ومحكوم علينا قدريا أن نواجه جميع مراحله وتقلباته الحلوة والمرة.

ولذلك رجع بوعماتو إلى المغرب وقد يبقى هناك، واشترت تكيبر حرم عزيز باسمها وأولادها الكثير من العقار في "بلدها" الأصلي المغرب الشقيق، حيث ولدت وترعرعت وتلقت فنون التهور وحب المال والتحايل ومختلف صنوف المكر العميق مع ابتسامة مصطنعة زائفة، تخفي وراءها الدهاء والتخطيط المستمر.

يربحون، يكدسون، يتآمرون، يختلفون بطريقة استيراتيجية محدودة، أكثر ضجيجها من واقعيتها وحقيقتها، ثم يهربون فرادى وجماعات، وخصوصا أقوياءهم، عندما تشتد الظروف والأحوال، راجعين إلى أحد بلدانهم الأصلية، أو ربما يتحالفون مع الطوارق، ضمن لعبة جديدة غير مستبعدة، تحت رعاية الطرف الفرنسي، الذي تلقى من خدماتهم الأمنية، أيام معاوية، ومن قبله، ومن بعده، ما لم يكن يحلم به الفرنسيون، وأعطوا الفرنسيين هم والأمريكان البلد، على طبق من ذهب، وبثمن بخس، مقابل الفوضى الخلاقة داخل البلد المهان، "موري اسباع"، مع علم جديد طبعا، ولذلك يقل الاحتفاء بالعلم الوطني في الوقت الحالي، وكثيرا ما يرى ساقطا أو منحيا أو ممزقا بصورة صريحة مباشرة.

فإلى متى السكوت والقبول الضمني معشر الموريتانيين المستعبدين؟!