دعونا نبول بكرامة/إسماعيل يعقوب الشيخ سيديا

سبت, 2019/10/19 - 21:34

من مواقف انواكشوط الموغلة في الغرابة والإحراج، والتي تعاني منها الأغلبية الصامتة من الساكنة؛ مغالبة البول حيث لا مكان للتبول.فقد كنا قوما أهل بادية نشرب قليلا وننام قليلا ونتحرك كثيرا ونتبول قليلا وحين البول ننحاز جانبا على  ربوة فنبلل قليل الحصى الذي نظله ليلا أو نهارا.ولقد كنا ومازلنا نسمي تلك العملية البيولوجية على اختلاف أمكنتنا بأسماء ظريفة وطريفة وبليغة مثل :تطيار المَابغايتو افراصو واگف اشوي إندِّي حصيات... إلخواليوم لما اجتمعنا نحن أهل انواكشوط وتمكّنت منا المدنية الحديثة بتباعد الأحياء وتنوع الأشربة وانعدام الأتربة التي طالما تنفس فيها الأسلاف السفلاءَ على قياس الصعداء؛ صار "تطيار المَ" في أوقات الذروة أعظم من مشقة الحج.فالذي يغالبه أحد الأخبثين تحت سماء انواكشوط أمامه خيارات أحلاها مر: فإما أن يزور أحد أقربائه الأقرب جغرافيا لحظة الإلحاح وقد حاك في نفسه أنه يلج بيته لا للسلام بقدرما يريد زيارة بيت الراحة ودخول الخلاء، وسيضطر بعدها للسلام والسؤال عن حال ساكنة البيت.أو يعود أدراجه لبيته بما يعني ذلك من ضياع للوقت خاصة حين يكون قد شطّ عنه.أو يشُدّ لثامه ويتخذ أحد الجدران المهجورة مستراحا. وفي ذلك إثم وتخلف ورجعية بيولوجية وفنية، وقد ينهار نفسيا بعدها إن كان من أهل "التخراگ" أو من المشاهير الذين "لايبولون في التراب"والخيار الأرجح هو أن يبحث عن مكان قصي في أحد أطراف انواكشوط وهي عملية تتطلب مجهودا استخباراتيا وطوبغرافيا لا يستهان به.أحد الظرفاء في سوق كبيتال انتظر دوره في الطابور أمام المستراح الوحيد حينها وكان قد أوشك على الانهيار فلما حان دوره سأل المشرف على المرفق عن تسعيرة دخول الخلاء فأجابه أنها بخمس أوقيات فأعطاه خمسمائة لعلمه المسبق أنه سيمكث أكثر من اللازم.وقد حدث مع أحد الشعراء اللهجيين أن دخل بيت قوم ليس له بهم سابق معرفة في منطقة بي أم دي الشهيرة وسط العاصمة انواكشوط وكان سبب الزيارة المفاجئة بالطبع هو قضاء حاجة ماسة في المستراح، واتجه مباشرة إلى مقصده دون أن يلقي عليهم التحية في مغالبة غير خفية لإنسانيته، ولما انقضى أمره عاتبه أحد سكان البيت على استخدامه لحمّامهم فأجابه بأنه فقط أراد زيادته لهم: آنا افطن الا كنت لاهي انزيدولكم. قاصدا لؤمهم وخشيتهم من النقصان ورفضهم للسائلين.في بعض الدول غير بلادنا في محطات النقل وملتقيات الطرق والمساجد والفنادق والإدارات العمومية وحتى الخصوصية هناك مرافق لذوي الاحتياجات الخاصة والنساء والرجال، حين تدخلها تتمنى أن تمكث فيها طويلا لما بها من طيب وصابون ومسك ونظافة.ولدينا يوميا آلاف الحالات التي يعاني أصحابها من النساء وكبار السن بسبب غياب تلك المرافق، لأن مايتوفر منها على قلته حين تدخله ستتملكك دواعي الاستفراغ وهنا لن أقول لكم" أكرمكم الله" لأن المقام ليس مقام دعاء ولأن من يظن حروفي هذه غير موضوعية فليترك قراءتها.ولقد يخيل إلي أن وجود مستراحات نظيفة عمومية أو خصوصية في جميع شوارع انواكشوط، هي إحدى أعظم الخدمات المدنية التي يمكن أن يقوم بها المجلس الجهوي لنواكشوط وبلدياته التسع، وأشدها إلحاحا.وفيها من الأجر الدنيوي والأخروي ما يكفي للترغيب فيها.ففي مدينتنا العجيبة حين تريد البول وأنت على الطريق في أوقات الذروة يجب أن تضع خطة عمل واضحة المعالم مكتملة الاستشراف قبل المباغتة لأن الخيارات ستضيق مع مرور الوقت فنحن مدينة لا يبول فيها البالغون إلا بشق الأنفس.